ابن قيم الجوزية
254
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
أهل السنة أن الجنة والنار ، مخلوقتان لا يفنيان أبدا فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين وأما فناء النار وحدها فقد أوجدنا كم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف يكون القول به من أقوال أهل البدع مع أنه لا يعرف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين فقولكم إنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم ، قالوا والقول الذي يعد من أقوال أهل البدع ما خالف كتاب اللّه وسنة رسوله وإجماع الأمة أما الصحابة أو من بعدهم ، وأما قول يوافق الكتاب والسنة وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل البدع وإن دانوا به واعتقدوه فالحق يجب قبوله ممن قاله والباطل يجب رده على من قاله وكان معاذ بن جبل يقول : « اللّه حكم قسط هلك المرتابون أن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع بدلهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم ؟ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة ، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نورا ، قالوا وكيف زيغة الحكيم ، قال هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه ؟ فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق ، وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة » والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم هو الذي دل عليه الكتاب والسنة واجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها ، ومن ذكر منهم أن النار لا تفنى أبدا فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال بفنائها ولم يبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها ( قالوا وأما حكم العقل ) بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق ( وأما أصل الثواب والعقاب ) فهل يعلم بالعقل مع السمع أو لا يعلم إلا بالسمع وحده ؟ ففيه قولان لنظار المسلمين من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ، والصحيح أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا وأما تفصيله فلا يعلم إلا بالسمع ودوام الثواب والعقاب مما لا يدل عليه العقل بمجرده وإنما علم بالسمع وقد دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين ، وأما عقاب العصاة فقد دل السمع